ثمَّ امتطى ناقَتهُ ونادى= يا قومَنا لا تركَبوا العِنادا
فلتسْمَعُوا نصيحتي وقَولي= كيفَ يحلُّ عَطَشي وقَتلي
قالَ : دَعوُني لبلادٍ أرحَلُ= فلستُ ممنْ بالهوانِ يَقبلُ
وإنْ أبيتُم فاجمعُوا أمرَكُم= وأقبلوا فإنّني مُصمِّمُ
وسمعَتْ نساؤُه المَقالا= فأعْوَلتْ مِنْ خَلفهِ إعوالا
لكنّهُ ظلَّ بليغاً يخطبُ= محذّراً فيهم لما يُرتَكبُ
يقولُ : لا تغرّكم دنياكُم= فقدْ نسيتُم في الهوى أُخراكُمُ
وقدْ جمعتُم جمعَكم لأمرِ= أسخطتُم الله بهذا الكفرِ
بئسَ العبيدُ أنتمُ منْ قومِ= إبليسُ غرّكمْ بهذا اليومِ
بُعداً لقوم خالَفْوا الكتابا= وحاربوا العترةَ والاصحابا
قال : انسُبوني مَنْ أنا ثمّ ارجِعُوا= وعاتِبوا أنفسَكُم وقرِّعُوا
ألستُ سبطَ أحمدِ المختارِ= وابنَ وصيّهِ الفتى الكرّارِ
وحمزةُ الشهيدُ عمٌّ لأبي= وجعفرُ الطيار مجلي الكُرَبِ
أما سمعتُم قولةَ الرسولِ= المصطفى الطهرِ أبي البتولِ
فيَّ وفي أخي العظيمِ المِنّهْ= هُم سيّدا شبابِ أهلِ الجنَّهْ
واللهِ ما كذبتُ فيكم مرَّهْ= منذُ عَرفتُ ضرّهُ وشرَّهُ
قالَ : سلُوا مِنْ « جابرِ الأنصاري »= وأنسَ الخادمَ للمختارِ
ومِنْ « أبي سعيد الخدريّ »= وزيد بنِ أرقمِ المكِّيّ
إنهمْ قدْ سمعوا ما قالا= منَ النبيِّ ذلكَ المقالا
فقال « شمرٌ » : أعبدُ الله على= حرف اذا عرفتُ ما قدْ نقلا
فردَّهُ « حَبيبٌ » أنت صادقُ= فيما تقولُ انكَ المنافقُ
فإنْ شككتمْ بالّذي أقولُ= وبالّذي قدْ قالَهُ الرسولُ
أتُنكرونَ أنني ابنُ فاطمَهْ= بضعةِ أحمدِ الطهورِ العالِمَهْ
أتَطلبوني بقتيل قُتِلا= أمْ تَطلبوني بتُراث اُكِلا
فأخَذوا لا ينطقونَ شيّا= كأنّما لم يدعُ فيهم حَيّا
فقالَ : هلْ نسيتمُ الرسائلا= وقولَكُم أقبِلْ إِلَيْنا عاجِلا
فأَنكرَ القومُ الحديثَ الواقِعا= وردّدوا لابدَّ أنْ تُبايعا
فقالَ : لا واللهِ لا أُعطيكمُ= يَدي كما الذليلُ أو أستسْلِمُ
ولا أفِرُّ كالعبيدِ خوفا= هيهاتَ واللهِ وهزَّ السيفا
وأقبلَ القومُ اليهِ « كالدِّبا »= غطُّوا الفَلاةَ مَشرِقاً ومَغرِبا (1)
فأوقدَ الحسينُ حولَ الخِيَمِ= ناراً لكي يَحمي بناتِ الكرمِ
فصاحَ بعضُهم تعجَّلْتَ القَضا= رَدَّ الحسينُ أنتَ أولى باللَّظى
فرفعَ الحسينُ كفّاً للسَّما= فلفَّتِ النيرانُ ذاك المجرِما
(1) اقترب الجيش الاموي من خيام الحسين عليهالسلام يتعجّل الزمن لارتكاب أبشع جريمة ،
وكان كالموج يغطي الصحراء ، فأشار الامام بيده ليوقف الزمن المنحرف ويلقي عليهم
كلمة النصيحة والرشاد في خطبة عظيمة سجلها التاريخ لم تبق لهم عذراً حيث قال : أيها
الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم عليَّ وحتى اعتذر اليكم من
مقدمي عليكم ، فان قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم
بذلك أسعد ولم يكن لكم علي سبيل ، وإن لم تقبلوا منِّي العذر ولم تعطوا النصف من
أنفسكم ، فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي
ولا تنظرون ، انّ وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولّى الصالحين.
فلمّا سمعن النساء هذا منه صحن وبكين وارتفعت أصواتهن فأرسل اليهن أخاه العباس
وابنه علي الأكبر وقال لهما : سكتاهن فلعمري ليكثر بكاؤهن.
ولمّا سكتن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وعلى الملائكة والانبياء وقال في ذلك ما
لا يحصى ذكره ولم يسمع متكلم قبله ولا بعده أبلغ منه في منطقه.
ثم قال : الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة بأهلها حالاً بعد
حال ، فالمغرور من غرته والشقي من فتنته فلا تغرنكم هذه الدنيا فانها تقطع رجاء من
ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد اسخطتم الله فيه
عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحل بكم نقمته وجنبكم رحمته فنعم الربّ ربّنا
وبئس العبيد أنتم أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد صلىاللهعليهوآله ثم انكم زحفتم الى ذريته
وعترته تريدون قتلهم لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم فتبّاً لكم ولما
تريدون إنا لله وإنا ليه راجعون هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين.
أيها الناس انسبوني من أنا ثم ارجعوا الى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل لكم قتلي
وانتهاك حرمتي ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأوّل المؤمنين بالله والمصدق
لرسوله بما جاء من عند ربه ، أوَ ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ، أو ليس جعفر الطيار
عمّي ، أو لم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي : هذان سيدا شباب أهل الجنة ، فان
صدقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمّدت الكذب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله
ويضرّ به من اختلقه ، وإن كذّبتموني فانّ فيكم مَن إن سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا
جابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم
وأنس بن مالك ، يخبرونكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي ، أما في هذا
حاجز لكم عن سفك دمي.
فقال الشمر : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول.
فقال له حبيب بن مظاهر : والله إنّي أراك تعبد الله على سبعين حرفاً وأنا أشهد أنك
صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك.
ثم قال الحسين عليهالسلام فان كنتم في شك من هذا القول أفتشكون إني ابن بنت نبيكم فوَالله
ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ، ويحكم أتطلبوني بقتيل
منكم قتلته أو مال لكم استهلكته او بقصاص جراحة ، فأخذوا لا يكلّمونه.
فنادى : يا شبث بن ربعي ويا حجار بن ابجر ويا قيس بن الاشعث ويا زيد بن الحارث ألم
تكتبوا لي أن أقدم قد اينعت الثمار واخضر الجناب وإنما تقدم على جند لك مجندة ؟
فقالوا : لم نفعل. قال : سبحان الله بلى والله لقد فعلتم.
ثم قال : أيها الناس اذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم الى مأمني من الارض ، فقال له
قيس ابن الاشعث : أولا تنزل على حكم بني عمك ؟ فانهم لن يروك الا ما تحب ولن يصل
اليك منهم مكروه.
فقال الحسين عليهالسلام : أنت أخو أخيك أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن
عقيل ؟ لا والله لا أعطيهم بيدي اعطاء الذليل ولا أقرّ قرار العبيد عباد الله إنّي عذت بربِّي
وربِّكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبِّر لا يؤمن بيوم الحساب.
وكان كالموج يغطي الصحراء ، فأشار الامام بيده ليوقف الزمن المنحرف ويلقي عليهم
كلمة النصيحة والرشاد في خطبة عظيمة سجلها التاريخ لم تبق لهم عذراً حيث قال : أيها
الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم عليَّ وحتى اعتذر اليكم من
مقدمي عليكم ، فان قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم
بذلك أسعد ولم يكن لكم علي سبيل ، وإن لم تقبلوا منِّي العذر ولم تعطوا النصف من
أنفسكم ، فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي
ولا تنظرون ، انّ وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولّى الصالحين.
فلمّا سمعن النساء هذا منه صحن وبكين وارتفعت أصواتهن فأرسل اليهن أخاه العباس
وابنه علي الأكبر وقال لهما : سكتاهن فلعمري ليكثر بكاؤهن.
ولمّا سكتن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وعلى الملائكة والانبياء وقال في ذلك ما
لا يحصى ذكره ولم يسمع متكلم قبله ولا بعده أبلغ منه في منطقه.
ثم قال : الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة بأهلها حالاً بعد
حال ، فالمغرور من غرته والشقي من فتنته فلا تغرنكم هذه الدنيا فانها تقطع رجاء من
ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد اسخطتم الله فيه
عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحل بكم نقمته وجنبكم رحمته فنعم الربّ ربّنا
وبئس العبيد أنتم أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد صلىاللهعليهوآله ثم انكم زحفتم الى ذريته
وعترته تريدون قتلهم لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم فتبّاً لكم ولما
تريدون إنا لله وإنا ليه راجعون هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين.
أيها الناس انسبوني من أنا ثم ارجعوا الى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل لكم قتلي
وانتهاك حرمتي ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأوّل المؤمنين بالله والمصدق
لرسوله بما جاء من عند ربه ، أوَ ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ، أو ليس جعفر الطيار
عمّي ، أو لم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي : هذان سيدا شباب أهل الجنة ، فان
صدقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمّدت الكذب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله
ويضرّ به من اختلقه ، وإن كذّبتموني فانّ فيكم مَن إن سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا
جابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم
وأنس بن مالك ، يخبرونكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي ، أما في هذا
حاجز لكم عن سفك دمي.
فقال الشمر : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول.
فقال له حبيب بن مظاهر : والله إنّي أراك تعبد الله على سبعين حرفاً وأنا أشهد أنك
صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك.
ثم قال الحسين عليهالسلام فان كنتم في شك من هذا القول أفتشكون إني ابن بنت نبيكم فوَالله
ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ، ويحكم أتطلبوني بقتيل
منكم قتلته أو مال لكم استهلكته او بقصاص جراحة ، فأخذوا لا يكلّمونه.
فنادى : يا شبث بن ربعي ويا حجار بن ابجر ويا قيس بن الاشعث ويا زيد بن الحارث ألم
تكتبوا لي أن أقدم قد اينعت الثمار واخضر الجناب وإنما تقدم على جند لك مجندة ؟
فقالوا : لم نفعل. قال : سبحان الله بلى والله لقد فعلتم.
ثم قال : أيها الناس اذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم الى مأمني من الارض ، فقال له
قيس ابن الاشعث : أولا تنزل على حكم بني عمك ؟ فانهم لن يروك الا ما تحب ولن يصل
اليك منهم مكروه.
فقال الحسين عليهالسلام : أنت أخو أخيك أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن
عقيل ؟ لا والله لا أعطيهم بيدي اعطاء الذليل ولا أقرّ قرار العبيد عباد الله إنّي عذت بربِّي
وربِّكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبِّر لا يؤمن بيوم الحساب.
عــــدد الأبـيـات
33
عدد المشاهدات
831
تاريخ الإضافة
27/09/2023
وقـــت الإضــافــة
4:10 مساءً