تناول الامامُ منه حبه= وبعدها لبى بشوقٍ ربه
فزلزلَ الكونُ وركنُ الدينِ= وقد هوت دعائمُ اليقينِ
هذا الرضا في بيته مُسجّى= ليس له أيُ دواءٍ يُرجى
السُمُ في احشائه يقطعُ= لكنه محوقلٌ مسترجعُ
وأظهر المأمون كل الجزعِ= ثم دعى لدفنه في موضعِ
جنبَ أبيه الهالك المدفونِ= قاتلِ موسى الصبر في السجونِ
لا ينفعُ الرجسَ اقترابُ الطهرِ= منه ولا يضرّهُ بشّرِ
فالكلُ في اعمالهِ مقرونُ= ما يبغي من رب الرضا هارونُ
وهكذا ضجّتْ بلادُ طوسِ= تضربُ بالوجوه والرؤوسِ
ثلاثةً ظلّ الحدادُ قائما= والكلُ ظلّ باكياً وناقما (1)
قال ابو الصلت رايتُ طفلاً= غسلهُ كفنهُ وصلى
فقلت مَن ؟ قال : أنا الجوادُ= قد جئت حين قد هوى العمادُ
وباتت الشيعة في عناءِ= مذ غاب عنها قمرُ السماءِ
ولم تزل تربتهُ منيفه= بقبة سامية شريفه
تقصدها الزوار للدعاءِ= وكشف ما بها من الضراءِ
قال ابن بطوطة حين مرّا= رايتُ فيها كم مريضٍ يبرا
ولم تزل للعلمِ ولأدابِ= منابعاً تجودُ للطلابِ
الف سلامٍ لفتى موسى الرضا= يجري على اعتابها بلا إنقضا (2)
(1) ذكر السيد العاملي في اعيان الشيعة قال : والذي يقتضيه ظاهر الاخبار ان المأمون لما
رأى اختلال امر السلطنة ببيعة العباسيين ابراهيم بن المهدي وكان عمه بسبب تولية
الامام الرضا عليهالسلام وكان العباسيون ينسبون ذلك الفعل لأغراءات الفضل بن سهل الممهد
لهذه التولية حينئذ خاف المأمون من ذهاب ملكه على يد العباسيين فبعث من يقتل الفضل
في حمام سرخس ودس السم للامام الرضا عليهالسلام وقد ايد هذا الرأي العلامة المجلسي في بحاره ،
وفي نهاية الكلام نود الاشارة الى قضية السم بالتخلص من الخصوم السياسيين ليست
جديدة فقد فعلها الطغاة السابقون مع اجداد الرضا عليهالسلام وبعد ذلك مع ابنائه اللاحقين
لأنها من احسن واسهل الاسلحة ووسائل القتل وكان معاوية الاموي قد فعل ذلك مع
اغلب خصومه ومنهم الامام الحسن عليهالسلام.
من الاسباب التي دعت المأمون الى سم الامام عليهالسلام انه لم يحصل على ما أراد من توليته
للعهد ، فقد حدثت له فتنة جديدة وهي تمرّد العباسيين عليه ، ومحاولتهم القضاء عليه.
اضافة الى ذلك ان بعض وزراء المأمون وقوّاده كانوا يبغضون الإمام عليهالسلام ويحسدونه ،
فكثرت وشاياتهم على الامام ، فأقدم المأمون على سمه.
وبدأت علامات الموت تظهر على الإمام عليهالسلام بعد ان اكل الرمان او العنب الذي اطعمه
المأمون ، وبعد خروج المأمون ازدادت حالته الصحية تدهوران وكان آخر ما تكلم به :
( قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ) آل عمران / 154.
( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ) الاحزاب / 38.
ودخل عليه المأمون باكياً ، ثم مشى خلف جنازته حافياً ، حاسراً يقول : يا اخي لقد ثلم
الاسلام بموتك وغلب القدر تقديري فيك. ثم شق لحد هارون ودفنه بجنبه.
وقد رثاه دعبل الخزاعي قائلاً :
ارى امية معذورين ان قتلوا
ولا لبني العباس من عذرِ
اربع بطوس على قبر الزكي به
ان كنت تربع من دين على خطرِ
قبران في طوس خير الناس كلّهم
وقبر شرهم هذا من العبرِ
ما ينفع الرجس من قرب الزكي وما
على الزكي بقرب الرجسِ من ضررِ
وكانت شهادة الامام الرضا عليهالسلام في آخر صفر سنة 203 ه كما ذكر على ذلك اغلب
الرواة والمؤرخين. اعلام الهداية 10 / 171.
(2) لما اطعم الامام الرضا عليهالسلام العنب المسموم خرج من المأمون ودخل داره مغطى الرأس ،
قال ابو الصلت : خرج الامام عليهالسلام من المأمون مغطى الرأس ، وكنت آنذاك في صحن الدار
اذ دخل علي شاب حسن الوجه اشبه الناس بالرضا فقلت له من انت ؟ فقال : انا حجة الله
عليك يا ابا الصلت ، انا محمد بن علي « الجواد » ثم مضى نحو ابيه ، ثم روى مسألة تغسيله
وتكفينه والصلاة عليه. عيون اخبار الرضا 2 / 272.
لكن الشبلنجي في نور الابصار ينقلها بشكل اخر حيث يقول : قال ابو الصلت : لما امرنا
بتجهيز جنازة الامام الرضا عليهالسلام وخرجنا بها الى المصلى أخّرنا الصلاة عليه قليلاً فاذا برجل
عربي وقد اقبل على بعير من جهة الصحراء فنزل ، ولم يكلم احداً فصلى عليه فصلى
الناس معه ، ثم اختفى فسرعان ما أمر المأمون بطلبه ، فلم يروا له اثراً ، ويقصد الامام
الجواد عليهالسلام.
وخلاصة القول وايا كان الامر فأن الامام المعصوم اذا مات ، او استشهد ، او قتل ، فغالباً
يصلي عليه امام معصوم يخلفه ، وهذا ما جرت عليه العادة عند الائمة المعصومين ،
واشارت الى ذلك المصادر.
وقد افاضت المصادر كثيراً في وصف استشهاد الامام الرضا عليهالسلام وغسله وتكفينه ، وما
اظهره المأمون تمويهاً من جزع وبكاء على فقده ، فقد ذكر الطبرسي في اعلام الورى : لما
توفي الرضا عليهالسلام انفذ المأمون الى محمد بن جعفر الصادق عليهالسلام وجماعة من آل ابي طالب ،
فلما حضروا نعاه عليهالسلام اليهم ، واظهر حزناً شديدا ، وتوجّعاً لفقدانه ، ثم قال وهو يخاطب
الجثمان الشريف بحضورهم : يعز علي يا اخي ان اراك بهذه الحال وقد كنت آمل ان اقدم
قبلك ولكن ابى الله الا ماراد.
ومن المفيد ان نذكره هنا ان الامام الرضا عليهالسلام كان كثيراً ما يصرح انه سيُدفن جنب
هارون العباسي كما اشرنا سابقاً.
وبموت الرضا عليهالسلام ضجت مدينة طوس وضربت رؤوسها وصدورها عليه ، واقام المأمون
تمويهاً الحداد عليه ثلاثة ايام ، وبعد دفنه في مكانه في مدينة مشهد المقدسة صار قبره مأوى
للمحبين وعشاق اهل البيت عليهمالسلام ومهوى القلوب المنكسرة ، ومقصدا لأصحاب الآفات
والعاهات لغرض الاستشفاء ببركته ، وصار المسلمون وغير المسلمين يرتادونه من مشارق
الارض ومغاربها ، وقد اجريت على مكان قبره على طوال السنين عدة مشاريع توسعة
واعمار ، حتى صار تحفة زاهية من تحف العالم الاسلامي ، ولو راجعت كتاب موسوعة
العتبات المقدسة قسم خراسان للاستاذ جعفر الخليلي ، لوجدت الكثير من هذه
الاشارات لتاريخ الاعمار والصيانة والتوسعة ، ومن الجميل ان نذكر كذلك عند هذه
النقطة ابيات للشاعر العراقي المبدع جواد جميل بمناسبة تبديل الشباك الضريح
القديم بآخر جديد ، وذلك في عام 1415 ه مع ملاحظة ان مادة التاريخ في الاصل لأحد
العلماء الادباء في ايران.
هذا عليٌ وابن موسى والرضا
ودليل آيات الكتاب المحكم
ورث الفخار عن النبي فحيدرٍ
فعن البتول فإكرمٍ عن أكرمِ
طافت ملائكة السماء بقبرهِ
ما بين معتمرٍ لديه ومُحرمِ
هو بابُ حطةٍ الذي تهفو لهُ
كلُ القلوب وفي حماه تحتمي
يا زائراً هذا الثرى طاطأ على
عتباته واسكبْ دموعكَ والثمِ
واذا سألت عن الخلود فها هنا
أرخ : ( وصلِّ على الضريح وسلمِ )
وهكذا رحل هذا الامام العظيم شهيداً مسموماً بسمّ المأمون العباسي اسوة باجداده الذين
مضوا قبله بنفس المصير ، واسوة بابناءه عليهمالسلام الذين سيحل بهم نفس المصير ، رحل هذا
الامام العظيم بعد ان قدّم للاسلام والمسلمين بعلمه وفكره واخلاقه ، وبما خلفه من تراث
ضخم ، ثم انتقلت الامامة من بعده لولده محمد بن علي الجواد عليهالسلام.
فسلام عليه يوم ولد ويوم أُستشهد ويوم يبعث حياً.
رأى اختلال امر السلطنة ببيعة العباسيين ابراهيم بن المهدي وكان عمه بسبب تولية
الامام الرضا عليهالسلام وكان العباسيون ينسبون ذلك الفعل لأغراءات الفضل بن سهل الممهد
لهذه التولية حينئذ خاف المأمون من ذهاب ملكه على يد العباسيين فبعث من يقتل الفضل
في حمام سرخس ودس السم للامام الرضا عليهالسلام وقد ايد هذا الرأي العلامة المجلسي في بحاره ،
وفي نهاية الكلام نود الاشارة الى قضية السم بالتخلص من الخصوم السياسيين ليست
جديدة فقد فعلها الطغاة السابقون مع اجداد الرضا عليهالسلام وبعد ذلك مع ابنائه اللاحقين
لأنها من احسن واسهل الاسلحة ووسائل القتل وكان معاوية الاموي قد فعل ذلك مع
اغلب خصومه ومنهم الامام الحسن عليهالسلام.
من الاسباب التي دعت المأمون الى سم الامام عليهالسلام انه لم يحصل على ما أراد من توليته
للعهد ، فقد حدثت له فتنة جديدة وهي تمرّد العباسيين عليه ، ومحاولتهم القضاء عليه.
اضافة الى ذلك ان بعض وزراء المأمون وقوّاده كانوا يبغضون الإمام عليهالسلام ويحسدونه ،
فكثرت وشاياتهم على الامام ، فأقدم المأمون على سمه.
وبدأت علامات الموت تظهر على الإمام عليهالسلام بعد ان اكل الرمان او العنب الذي اطعمه
المأمون ، وبعد خروج المأمون ازدادت حالته الصحية تدهوران وكان آخر ما تكلم به :
( قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ) آل عمران / 154.
( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ) الاحزاب / 38.
ودخل عليه المأمون باكياً ، ثم مشى خلف جنازته حافياً ، حاسراً يقول : يا اخي لقد ثلم
الاسلام بموتك وغلب القدر تقديري فيك. ثم شق لحد هارون ودفنه بجنبه.
وقد رثاه دعبل الخزاعي قائلاً :
ارى امية معذورين ان قتلوا
ولا لبني العباس من عذرِ
اربع بطوس على قبر الزكي به
ان كنت تربع من دين على خطرِ
قبران في طوس خير الناس كلّهم
وقبر شرهم هذا من العبرِ
ما ينفع الرجس من قرب الزكي وما
على الزكي بقرب الرجسِ من ضررِ
وكانت شهادة الامام الرضا عليهالسلام في آخر صفر سنة 203 ه كما ذكر على ذلك اغلب
الرواة والمؤرخين. اعلام الهداية 10 / 171.
(2) لما اطعم الامام الرضا عليهالسلام العنب المسموم خرج من المأمون ودخل داره مغطى الرأس ،
قال ابو الصلت : خرج الامام عليهالسلام من المأمون مغطى الرأس ، وكنت آنذاك في صحن الدار
اذ دخل علي شاب حسن الوجه اشبه الناس بالرضا فقلت له من انت ؟ فقال : انا حجة الله
عليك يا ابا الصلت ، انا محمد بن علي « الجواد » ثم مضى نحو ابيه ، ثم روى مسألة تغسيله
وتكفينه والصلاة عليه. عيون اخبار الرضا 2 / 272.
لكن الشبلنجي في نور الابصار ينقلها بشكل اخر حيث يقول : قال ابو الصلت : لما امرنا
بتجهيز جنازة الامام الرضا عليهالسلام وخرجنا بها الى المصلى أخّرنا الصلاة عليه قليلاً فاذا برجل
عربي وقد اقبل على بعير من جهة الصحراء فنزل ، ولم يكلم احداً فصلى عليه فصلى
الناس معه ، ثم اختفى فسرعان ما أمر المأمون بطلبه ، فلم يروا له اثراً ، ويقصد الامام
الجواد عليهالسلام.
وخلاصة القول وايا كان الامر فأن الامام المعصوم اذا مات ، او استشهد ، او قتل ، فغالباً
يصلي عليه امام معصوم يخلفه ، وهذا ما جرت عليه العادة عند الائمة المعصومين ،
واشارت الى ذلك المصادر.
وقد افاضت المصادر كثيراً في وصف استشهاد الامام الرضا عليهالسلام وغسله وتكفينه ، وما
اظهره المأمون تمويهاً من جزع وبكاء على فقده ، فقد ذكر الطبرسي في اعلام الورى : لما
توفي الرضا عليهالسلام انفذ المأمون الى محمد بن جعفر الصادق عليهالسلام وجماعة من آل ابي طالب ،
فلما حضروا نعاه عليهالسلام اليهم ، واظهر حزناً شديدا ، وتوجّعاً لفقدانه ، ثم قال وهو يخاطب
الجثمان الشريف بحضورهم : يعز علي يا اخي ان اراك بهذه الحال وقد كنت آمل ان اقدم
قبلك ولكن ابى الله الا ماراد.
ومن المفيد ان نذكره هنا ان الامام الرضا عليهالسلام كان كثيراً ما يصرح انه سيُدفن جنب
هارون العباسي كما اشرنا سابقاً.
وبموت الرضا عليهالسلام ضجت مدينة طوس وضربت رؤوسها وصدورها عليه ، واقام المأمون
تمويهاً الحداد عليه ثلاثة ايام ، وبعد دفنه في مكانه في مدينة مشهد المقدسة صار قبره مأوى
للمحبين وعشاق اهل البيت عليهمالسلام ومهوى القلوب المنكسرة ، ومقصدا لأصحاب الآفات
والعاهات لغرض الاستشفاء ببركته ، وصار المسلمون وغير المسلمين يرتادونه من مشارق
الارض ومغاربها ، وقد اجريت على مكان قبره على طوال السنين عدة مشاريع توسعة
واعمار ، حتى صار تحفة زاهية من تحف العالم الاسلامي ، ولو راجعت كتاب موسوعة
العتبات المقدسة قسم خراسان للاستاذ جعفر الخليلي ، لوجدت الكثير من هذه
الاشارات لتاريخ الاعمار والصيانة والتوسعة ، ومن الجميل ان نذكر كذلك عند هذه
النقطة ابيات للشاعر العراقي المبدع جواد جميل بمناسبة تبديل الشباك الضريح
القديم بآخر جديد ، وذلك في عام 1415 ه مع ملاحظة ان مادة التاريخ في الاصل لأحد
العلماء الادباء في ايران.
هذا عليٌ وابن موسى والرضا
ودليل آيات الكتاب المحكم
ورث الفخار عن النبي فحيدرٍ
فعن البتول فإكرمٍ عن أكرمِ
طافت ملائكة السماء بقبرهِ
ما بين معتمرٍ لديه ومُحرمِ
هو بابُ حطةٍ الذي تهفو لهُ
كلُ القلوب وفي حماه تحتمي
يا زائراً هذا الثرى طاطأ على
عتباته واسكبْ دموعكَ والثمِ
واذا سألت عن الخلود فها هنا
أرخ : ( وصلِّ على الضريح وسلمِ )
وهكذا رحل هذا الامام العظيم شهيداً مسموماً بسمّ المأمون العباسي اسوة باجداده الذين
مضوا قبله بنفس المصير ، واسوة بابناءه عليهمالسلام الذين سيحل بهم نفس المصير ، رحل هذا
الامام العظيم بعد ان قدّم للاسلام والمسلمين بعلمه وفكره واخلاقه ، وبما خلفه من تراث
ضخم ، ثم انتقلت الامامة من بعده لولده محمد بن علي الجواد عليهالسلام.
فسلام عليه يوم ولد ويوم أُستشهد ويوم يبعث حياً.
عــــدد الأبـيـات
18
عدد المشاهدات
778
تاريخ الإضافة
27/09/2023
وقـــت الإضــافــة
7:55 مساءً