خَليلَيَّ ما أُذني لِأَوَّلِ عاذِلِ
أبو طالب بن عبد المطلب (ع) ق.هـ
خَليلَيَّ ما أُذني لِأَوَّلِ عاذِلِ=بِصَغواءَ في حَقٍّ وَلا عِندَ باطِلِ
خَليلَيَّ إِنَّ الرَأيَ لَيسَ بِشِركَةٍ=وَلا نَهنَهٍ عِندَ الأُمورِ البَلابِلِ
وَلَمّا رَأَيتُ القَومَ لا وُدَّ عِندَهُم=وَقَد قَطَعوا كُلَّ العُرى وَالوَسائِلِ
وَقَد صارَحونا بِالعَداوَةِ وَالأَذى=وَقَد طاوَعُوا أَمرَ العَدوِّ المُزايِلِ
وَقَد حالَفوا قَوماً عَلَينا أَظِنَّةً=يَعضّونَ غَيظاً خَلفَنا بِالأَنامِلِ
صَبَرتُ لَهُم نَفسي بِسَمراءَ سَمحَةٍ=وَأَبيَضَ عَضبٍ مِن تُراثِ المقاوِلِ
وَأَحضَرتُ عِندَ البَيتِ رَهطي وَإِخوَتي=وَأَمسَكتُ مِن أَثوابِهِ بِالوَصائِلِ
قِياماً مَعاً مُستَقبِلينَ رِتاجَهُ=لَدَى حَيثُ يَقضي نُسكَهُ كُلُّ نافِلِ
وَحَيثُ يُنيخُ الأَشعَرونَ ركابَهُم=بِمُفضى السُيولِ مِن إِسافٍ وَنائِلِ
مُوَسَّمَة الأَعضادِ أَو قَصَراتِها=مُخَيَّسَةٌ بَينَ السديسِ وَبازِلِ
تَرى الوَدعَ فيها وَالرُخامَ وَزينَةً=بِأَعناقِها مَعقودَةً كَالعَثاكِلِ
أَعوذُ بِرَبِّ الناسِ مِن كُلِّ طاعِنٍ=عَلَينا بِسوءٍ أَو مُلِحٍّ بِباطِلِ
وَمِن كاشِحٍ يَسعَى لَنا بِمعيبَةٍ=وَمِن مُلحِقٍ في الدينِ ما لَم نُحاوِلِ
وَثَورٍ وَمَن أَرسى ثَبيراً مَكانَهُ=وَراقٍ لِيَرقى في حِراءٍ وَنازِلِ
وَبِالبَيتِ رُكن البَيتِ مِن بَطنِ مَكَّةٍ=وَبِاللَهِ إِنَّ اللَهَ لَيسَ بِغافِلِ
وَبِالحَجَرِ المُسوَدِّ إِذ يَمسَحونَهُ=إِذا اِكتَنَفوهُ بِالضُحى وَالأَصائِلِ
وَمَوطِئِ إِبراهيمَ في الصَخرِ رَطبَة=عَلى قَدَمَيهِ حافِياً غَيرَ ناعِلِ
وَأَشواط بَينَ المَروَتَينِ إِلى الصَفا=وَما فيهِما مِن صورَةٍ وَتَماثِلِ
وَمَن حَجَّ بَيتَ اللَهِ مِن كُلِّ راكِبٍ=وَمِن كُلِّ ذي نَذرٍ وَمِن كُلِّ راجِلِ
وَبِالمَشعَرِ الأَقصى إِذا عَمَدوا لَهُ=إِلالٍ إِلى مُفضى الشِراجِ القَوابِلِ
وَتَوقافِهِم فَوقَ الجِبالِ عَشيَّةً=يُقيمونَ بِالأَيدي صُدورَ الرَواحِلِ
وَلَيلَةِ جَمعٍ وَالمَنازِل مِن مِنىً=وَما فَوقَها مِن حُرمَةٍ وَمَنازِلِ
وَجَمعٍ إِذا ما المَقرُباتُ أَجَزنَهُ=سِراعاً كَما يَخرُجنَ مِن وَقعِ وابِلِ
وَبِالجَمرَةِ الكُبرى إِذا صَمَدوا لَها=يَؤُمّونَ قَذفاً رَأسَها بِالجَنادِلِ
وَكِندَة إِذ هُم بِالحِصابِ عَشيَّةً=تُجيزُ بِهِم حجاج بَكرِ بنِ وائِلِ
حَليفانِ شَدّا عقدَ ما اجتمَعا لَهُ=وَرَدّا عَلَيهِ عاطِفات الوَسائِلِ
وَحَطمهمُ سُمر الرِماحِ مَعَ الظبا=وَإِنفاذُهُم ما يَتَّقي كلُّ نابِلِ
وَمَشيهُم حَولَ البِسالِ وَسرحُهُ=وَشِبرِقُهُ وَخدَ النَعامِ الجَوافِلِ
فَهَل بَعدَ هَذا مِن مَعاذٍ لِعائِذٍ=وَهَل مِن مُعيذٍ يَتَّقي اللَهَ عادِلِ
يُطاعُ بِنا الأَعدا وَودُّوا لوَ اِنَّنا=تُسَدُّ بِنا أَبوابُ تُركٍ وَكابُلِ
كَذَبتُم وَبَيتِ اللَهِ نَترُكُ مَكَّةً=وَنَظعَن إِلّا أَمرُكُم في بَلابِلِ
كَذَبتُم وَبَيتِ اللَهِ نُبزى مُحَمَّداً=وَلَمّا نُطاعِن دونَهُ وَنُناضِلِ
وَنُسلِمهُ حَتّى نُصَرَّعَ حَولَهُ=وَنذهلَ عَن أَبنائِنا وَالحَلائِلِ
وَينهَضَ قَومٌ بِالحَديدِ إِلَيكُمُ=نُهوضَ الرَوايا تَحتَ ذاتِ الصَلاصِلِ
وَحَتّى يُرى ذا الضِغنِ يَركَبُ ردعَهُ=مِنَ الطَعنِ فِعلَ الأَنكَبِ المُتَحامِلِ
وَإِنّي لَعَمرُ اللَهِ إن جَدَّ ما أَرى=لَتَلتَبسَنَّ أَسيافُنا بِالأَماثِلِ
بِكَفِّ اِمرِئٍ مِثلَ الشِهابِ سمَيدَعٍ=أَخي ثِقَةٍ حامي الحَقيقَةِ باسِلِ
شُهوراً وَأَيّاماً وَحَولاً مُجَرَّماً=عَلَينا وَتَأتي حجَّةٌ بَعدَ قابِلِ
وَما تَركُ قَومٍ لا أَبا لَكَ سَيِّداً=يَحوطُ الذِمارَ غَيرَ ذَربٍ مُواكِلِ
وَأَبيَضَ يُستَسقى الغَمامُ بِوَجهِهِ=ثِمالُ اليَتامى عِصمَةٌ لِلأَرامِلِ
يَلوذُ بِهِ الهُلّاكُ مِن آلِ هاشِمٍ=فَهُم عِندَهُ في رَحمَةٍ وَفَواضِلِ
لَعَمري لَقَد أَجرى أُسَيدٌ وَرهطُهُ=إِلى بُغضِنا وجزّآنا لآكِلِ
جَزَت رَحِمٌ عَنّا أُسَيداً وَخالِداً=جَزاءَ مُسيءٍ لا يُؤَخَّرُ عاجِلِ
وَعُثمانُ لَم يَربَع عَلَينا وَقُنفُذٌ=وَلَكِن أَطاعا أَمرَ تِلكَ القَبائِلِ
أَطاعا أُبَيّاً وَاِبنَ عَبدِ يَغوثِهِم=وَلَم يَرقُبا فينا مَقالَةَ قائِلِ
كَما قَد لَقينا مِن سُبَيعٍ وَنَوفَلٍ=وَكُلٌّ تَوَلّى مُعرِضاً لَم يُجامِلِ
فَإِن يُلقَيا أَو يُمكِن اللَهُ مِنهُما=نَكِل لَهُما صاعاً بِكيلِ المكايِلِ
وَذاكَ أَبو عَمرٍو أَبى غَيرَ بُغضِنا=لِيظعننا في أَهلِ شاءٍ وَجامِلِ
يُناجى بِنا في كُلِّ مَمسىً وَمُصبحٍ=فَناجِ أَبا عَمرٍو بِنا ثُمَّ خاتِلِ
وَيُقسِمُنا بِاللَهِ ما إِن يَغُشَّنا=بَلى قَد نَراهُ جَهرَةً غَيرَ حائِلِ
أَضاقَ عَلَيه بُغضنا كُلَّ تَلعَةٍ=مِنَ الأَرضِ بَينَ أَخشَبٍ فَمجادِلِ
وَسائِل أَبا الوَليدِ ماذا حَبَوتَنا=بِسَعيِكَ فينا مُعَرِضاً كَالمُخاتِلِ
وَكُنتَ اِمرءاً مِمَّن يُعاشُ بِرَأيِهِ=وَرَحمَته فينا وَلَست بِجاهِلِ
أَعُتبَةُ لا تَسمَع بِنا قَولَ كاشِحٍ=حَسودٍ كَذوبٍ مُبغِضٍ ذي دَغاولِ
وَقَد خِفتُ إِن لَم تَزجُرَنهُم وَتَرعَووا=تُلاقي وَنَلقى مِنكَ إِحدى البَلابِلِ
وَمَرَّ أَبو سُفيانَ عَنّي مُعرِضاً=كَما مَرَّ قَيلٌ مِن عِظامِ المَقاوِلِ
يَفِرُّ إِلى نَجدٍ وَبَردِ مِياهِهِ=وَيزعُمُ أَنّي لَستُ عَنكُم بِغافِلِ
وَأَعلَمُ أَن لا غافِلٌ عَن مَساءَةٍ=كَفاكَ العَدُوُّ عِندَ حَقٍّ وَباطِلِ
فَميلوا عَلَينا كُلّكُم إِنَّ مَيلَكُم=سَواءٌ عَلَينا وَالرِياحُ بِهاطِلِ
يُخبِّرُنا فِعلَ المُناصِحِ أَنَّهُ=شَفيقٌ وَيُخفي عارِماتِ الدَواخِلِ
أَمُطعِمُ لَم أَخذُلكَ في يَومِ نَجدَةٍ=ولا عِندَ تِلكَ المُعظماتِ الجَلائِلِ
وَلا يَوم خَصمٍ إِذ أَتوكَ أَلِدَّة=أَولي جَدَلٍ مِنَ الخُصومِ المُساجِلِ
أَمُطعِمُ إِنَّ القَومَ ساموكَ خُطَّةً=وَإِنّي مَتى أُوكَل فَلَستُ بِوائِلِ
جَزى اللَهُ عَنّا عَبدَ شَمسٍ وَنَوفَلاً=عُقوبَةَ شَرٍّ عاجِلاً غَيرَ آجِلِ
بِميزانِ قِسطٍ لا يُغيضُ شَعيرَةً=لَهُ شاهِدٌ مِن نَفسِهِ حقُّ عادِلِ
لَقَد سَفهَت أَحلامُ قَومٍ تَبَدَّلوا=بَني خَلفٍ قَيضاً بِنا وَالغَياطِلِ
وَنَحنُ الصَميمُ مِن ذؤابَةِ هاشِمٍ=وَآل قُصَيٍّ في الخُطوبِ الأَوائِلِ
وَكانَ لَنا حَوضُ السِقايَةِ فيهِم=وَنَحنُ الذُرى مِنهم وَفَوقَ الكَواهِلِ
فَما أَدركوا ذَحلاً وَلا سَفَكوا دَماً=وَلا حالَفوا إِلّا شِرارَ القَبائِلِ
بَني أمَةٍ مَجنونَةٍ هِندكيَّةٍ=بَني جُمَحٍ عُبَيدَ قَيسِ بنِ عاقِلِ
وَسَهمٌ وَمَخزومٌ تَمالوا وَأَلَّبوا=عَلَينا العِدى مِن كُلِّ طِملٍ وَخامِلِ
وَشائِظُ كانَت في لُؤَيِّ بنِ غالِبٍ=نَفاهُم إِلَينا كُلُّ صَقرٍ حُلاحِلِ
وَرَهطُ نُفَيلٍ شَرُّ مَن وَطئَ الحَصى=وَأَلأَمُ حافٍ مِن مَعَدٍّ وَناعِلِ
أَعَبدَ مَنافٍ أَنتُمُ خَيرُ قَومِكُم=فَلا تُشرِكوا في أَمرِكُم كُلَّ واغِلِ
فَقَد خِفتُ إِن لَم يُصلِحِ اللَهُ أَمرَكُم=تَكونوا كَما كانَت أَحاديثُ وائِلِ
لَعَمري لَقَد أُوهِنتُمُ وَعَجزتُمُ=وَجِئتُم بِأَمرٍ مُخطئٍ لِلمَفاصِلِ
وَكُنتُم قَديماً حَطبَ قِدرٍ فَأَنتُمُ=الآنَ أحطابُ أَقدُرٍ وَمَراجِلِ
لِيَهنئ بَني عَبدِ مَنافٍ عُقوقُها=وَخِذلانُها وَتَركُنا في المَعاقِلِ
فَإِن يَكُ قَومٌ سَرَّهُم ما صَنَعتُمُ=سَتَحتَلِبوها لاقِحاً غَيرَ باهِلِ
فَبَلِّغ قُصَيّاً أَن سَيُنشَرُ أَمرُنا=وَبَشِّر قُصَيّاً بَعدَنا بِالتَخاذُلِ
وَلَو طَرَقت لَيلاً قُصَيّاً عَظيمَةٌ=إِذاً ما لَجَأنا دونَهُم في المَداخِلِ
لَو صُدِقوا ضَرباً خِلالَ بُيوتِهِم=لَكُنّا أُسىً عِندَ النِساءِ المَطافِلِ
فَإِن تَكُ كَعبٌ مِن لُؤَيٍّ تَجَمَّعَت=فَلا بُدَّ يَوماً مَرَّةً مِن تَزايُلِ
فَإِن تَكُ كَعبٌ مِن كُعوبٍ كَثيرَةٍ=فَلا بُدَّ يَوماً أَنَّها في مَجاهِلِ
وَكُلُّ صَديقٍ وَاِبنُ أُختٍ نَعُدُّهُ=وَجَدنا لَعَمري غِبَّهُ غَيرَ طائِلِ
سِوى أَنَّ رَهطاً مِن كِلابِ بنِ مُرَّةٍ=بَراءٌ إِلَينا مِن مَعَقَّةِ خاذِلِ
بَني أَسَدٍ لا تُطرِفُنَّ عَلى القَذى=إِذا لَم يَقُل بِالحَقِّ مِقوَلُ قائِلِ
فَنِعمَ اِبنُ أُختِ القَومِ غَيرَ مُكَذَّبٍ=زُهَيرٌ حُساماً مُفرَداً مِن حَمائِلِ
أَشَمُّ مِنَ الشُمِّ البَهاليلِ يَنتَمي=إِلى حَسَبٍ في حَومَةِ المَجدِ فاضِلِ
لَعَمري لَقَد كَلِفتُ وَجداً بِأَحمَدٍ=وَإِخوَتِهِ دَأبَ المُحِبِّ المُواصِلِ
أُقيمُ عَلى نَصرِ النَبِيِّ مُحَمَّدٍ=أُقاتِلُ عَنهُ بِالقَنا وَالقَنابِلِ
فَلا زالَ في الدُنيا جَمالاً لِأَهلِها=وَزَيناً لِمَن ولّاهُ رَبُّ المَشاكِلِ
فَمَن مِثلُهُ في الناسِ أَيُّ مُؤَمّلٍ=إِذا قاسَهُ الحُكّامُ عِندَ التَفاضُلِ
حَليمٌ رَشيدٌ عادِلٌ غَيرُ طائِشٍ=يُوالي إِلهاً لَيسَ عَنهُ بِغافِلِ
فَأَيَّدَهُ رَبُّ العبادِ بِنَصرِهِ=وَأَظهَرَ ديناً حَقُّهُ غَيرُ ناصِلِ
فَوَاللَهِ لَولا أَن أَجيءَ بِسُبَّةٍ=تَجُرُّ عَلى أَشياخِنا في المَحافِلِ
لَكُنّا اتّبَعناهُ عَلى كُلِّ حالَةٍ=مِنَ الدَهرِ جدّاً غَيرَ قَولِ التَهازُلِ
لَقَد عَلِموا أَنَّ اِبنَنا لا مُكَذَّبٌ=لَدَيهم وَلا يُعنى بِقَولِ الأَباطِلِ
رِجالٌ كِرامٌ غَيرُ ميلٍ نَماهُمُ=إِلى الغرّ آباءٌ كِرامُ المَخاصِلِ
دَفَعناهُمُ حَتّى تَبَدَّدَ جَمعُهُم=وَحسّرَ عَنّا كُلُّ باغٍ وَجاهِلِ
شَبابٌ مِنَ المُطَيّبينَ وَهاشمٍ=كَبيضِ السُيوفِ بَينَ أَيدي الصَياقِلِ
بِضَربٍ تَرى الفِتيانَ فيهِ كَأَنَّهُم=ضَواري أُسودٍ فَوقَ لَحمٍ خَرادِلِ
وَلَكِنَّنا نَسلٌ كِرامٌ لِسادَةٍ=بِهِم نَعتلي الأَقوامَ عِندَ التطاوُلِ
سَيَعلَمُ أَهلُ الضّعنِ أَيّي وَأَيُّهُم=يَفوزُ وَيَعلو في لَيالٍ قَلائِلِ
وَأَيُّهُمُ مِنّي وَمِنهُم بِسَيفِهِ=يُلاقي إِذا ما حانَ وَقتُ التَنازُلِ
وَمَن ذا يَمَلُّ الحَربَ مِنّي وَمِنهُمُ=وَيحمدُ في الآفاقِ مِن قَولِ قائِلِ
فَأَصبَحَ فينا أَحمَدٌ في أَرومَةٍ=تُقَصِّرُ عَنهُ سورَةُ المُتَطاوِلِ
كَأَنّي بِهِ فَوقَ الجِيادِ يَقودُها=إِلى مَعشَرٍ زاغوا إِلى كُلِّ باطِلِ
وَجُدتُ بِنَفسي دَونَهُ وَحَمَيتُهُ=وَدافَعتُ عَنهُ بِالطُلى وَالكَلاكِلِ
وَلا شَكَّ أَنَّ اللَهَ رافِعُ أَمرِهِ=وَمُعليهِ في الدُنيا وَيَومَ التَجادُلِ