شعراء أهل البيت عليهم السلام - في رحاب المصطفى (صلى الله عليه وآله)
في رحاب المصطفى (صلى الله عليه وآله) الشيخ أحمد الوائلي
في رحاب المصطفى (صلى الله عليه وآله)
نُظمت في المدينة المنورة عام 1976م
أتيتُك بالأشواق.. أطفو وأرسبُ=وكُلّيَ آمالٌ، وكُلُّك مَطلبُ
ملكتَ على بُعد الديار مشاعري=فأنتَ إلى قلبي من الفكر أقربُ
إلى أن دنت مِنّي الدّيارُ وأصبحت=قبابُك في عيني تَهِلُّ وتُعجِبُ
تلاشت حدودي في حدودِك والهوى=تُوَحَّد أشتاتٌ به وتُذَوَّبُ
فعُدتُ وما إلاّك عند مشاعري=فأنت بها فِكرٌ، ودِينٌ ومذهَبُ
قطعتُ إليك البيد شاسعة المدى=إذا ما تقضّى سبسبٌ جد سبسبُ
تخايل فيها الرَّمل أن صار معبراً=إليك و دربٌ للحبيب محببُ
و لاح عليه رسم أخفاف ناقةٍ=غزوتَ عليها يوم لله تغضبُ
و قافلة ما زال رجع حدائها=يغرَّد في بدرٍ و أحدٍ و يطربُ
عليها من الصَّحب الكرام عزائمٌ=إلى الآن بالصَّحراء منها تلهبُ
يقود بها للفتح فكر معمَّقٌ=و يحدو بها للنصر سيفٌ مجرَّبُ
و ما قام مجدٌ أو تسامت حضارةٌ=بغير النهى يفتن و السيف يضربُ
ولمّا وطأتُ المِسْكَ مِن أرض طِيبةٍ=وهَبّ عبيرٌ مِن شذى الخُلدِ أطيبُ
وأقحمتُ طَرْفي لُجّةَ النور لَوّحتْ=شمائلُ أشهى مِن خميلٍ وأعذبُ
تخيّلتُ عشراً مِن قرونٍ وأربعاً=ستُبعد طَرفي عن رُؤاك.. وتَحجِبُ
ولكنْ رأيتُ الأمسَ عندي بسحرهِ=ثريّاً.. كما يهوى الجلال ويطلبُ
كأنّ السنين الذاهباتِ وبُعدَها=مَرايا بها تدنو إليَّ وتَقربُ
ولملمتُ طَرفي مِن سَناك ولمعهِ=كذا الشمسُ تعشو العينُ منها وتتعبُ
وراودتُ فكري أن يعيك.. فرَدَّه=بأنّك أوفى مِن مداه.. وأرحبُ
فآويتُ للذكرى يمسّ سلافَها=فمي.. فإذا رِيقي لها يتحلّبُ
وهوّمتُ للأصداء تُسكر مسمعي=بأنغامها.. فالدهرُ هيمانُ مُطرَبُ
سماحاً أبا الزهراءِ أن جئتُ أجتلي=سَناك.. وأستهدي الجلالَ وأطلبُ
إذا لم تُؤمِّلْ فيضَ نورك ظُلمتي=فمِن أين يرجو جلوةَ النورِ غيهَبُ ؟
وإن لم يَلجْ ذَنْبي ببابك خاشعاً=فمِن أين يرجو رحمةَ اللهِ مُذنبُ ؟!
ومِثْلُك مَن أعطى، ومِثْلي مَنِ اجتدى=فإنّ السما تنهلُّ والأرضُ تشربُ
أهَبْتُ بنقصي فاستجار بكاملٍ=إلى ذاته يُنمى الكمالُ ويُنسَبُ
وأغرى طِلابي أنّ فيضَ مَعينهِ=مدى الدهر ثَرٌّ.. ما يَجِفُّ ويَنضَبُ
وعفّرت خدّي في ثرىً مسّ عفرَه=لجبريلَ مِن جنحَيهِ ريشٌ مُزَغَّبُ
وفيه محاريبٌ لآل محمّدٍ=بهنّ ضراعاتٌ إلى الله تُنصَبُ
وآثارُ أقدامٍ صغارٍ ومَهْجَعٌ=إلى الحسنَينِ الزاكيينِ ومَلعبُ
وصوتُ رَحى الزهراء تَطحنُ قُوتَها=إلى جِلْدِ كبشٍ حيث تجلسُ زينبُ
رؤىً سوف يبقى الدهر يروي جلالَها=وتبقى على رغم البساطة تأشبُ
عَهِدتُك والقرآن نورٌ وحكمةٌ=يَشدُّ إليه التائهين.. ويَجلِبُ
وأنت عطاءٌ.. كلّما احتاجتِ الدُّنا=إلى مكسبٍ منه تَوَلَّد مكسبُ
وأنت طُموحٌ.. نال كلَّ مُمنَّعٍ=ولم يُرضِه من غاربِ النجم مَنكبُ
وأنت شموخٌ.. في النوائب مُرقِلٌ=على عَزَماتٍ كلُّهُنّ تَوَثُّبُ
وأنت إذا ما التاثَ رأيٌ إصابةٌ=مُسَدّدةٌ عن صائبٍ الرأي تُعرِبُ
فما بالُنا لا نجتليك بتَيهِنا=وأنت لنا نبعٌ وروضٌ مخصَّبُ!
فقد يكتفي في تافه الزاد كاسل=لأنَّ كريم الزَّاد مأتاه متعبُ
و يؤذي النُّهى و المنطق الجدَّ أن يرى=هراءً هزيلاً يستطيل و يطنبُ
تداعى إليه الحالِمون و غرهم=بريقٌ به فيما عرفناه خلبَّبُ
فخاطب منهم فاشلاً و مبلَّداً=و صورَّه المظلوم يُسبَى و يُنهَبُ
فثابوا إليهِ يرمحون و عندهم=من الحقد ما يبري الرَّقاب و يحطبُ
و يولمك الإنسان يقتل تِربّه=و دون الدِّماءِ الحُمر ما هو أصوَبُ
و قد تحسبني ظالمياً متجنياً=تناسى الذي يفضي لذا و يسبِّبُ
و كلا فما أنسى كروشاً تضخَّمت=من السُّحت يُجنى و الكسيرة تُنهبُ
و لا بالَّذي ينسى سياطاً لئِيمةً=تشظِّي جلودَ الكادحين و تُلهِبُ
و لكنَّني أرثي لناسٍ تفرُّ من=جحيمٍ ليحويها جحيمٌ مذهَّبُ
فَهَبْنا أبا الزهراء قُوتاً، فلم يَعُدْ=بمِزودِنا ما يُستطابُ ويَعذُبُ
ورُدَّ لنا هذا الأصيلَ لفجرِنا=إلى النبعِ يَهمي النورُ ثَرّاً ويسكبُ
وسَدِّدْ خُطانا بالطريق.. فدربُنا=طويلٌ على أقدامنا مُتَشعِّبُ